كتاب لسان العرفان وبيان الترجمان ” لمولانا حبيب الكل” في نصائح سلوكيه
(من علوِّ همتك وسموّ نيتك ألاّ ترتاح حتى تصل إلى غايتك ولا غاية مثل علمك بالله)
الهمة هي قوى النفس التي تنفعل عنها الأشياء بإرادة الله وإذنه معرفة الله تعالى هي غاية المطالب ونهاية ألآمال والمآرب وهى الهدف الحقيقي من السير إلى الله عز وجل ، فالسالك إلى الله تعالى لابد من جمع همته وإخلاص نيته ولا يكون له إلا غاية واحدة وهى معرفة الله تعالى فبإخلاص النية قد يفتح الله على العبد جهة من جهات التعرف إليه أو بابا من أبواب المعرفة بالله ، وقد يكون هذا الباب باب نعمة من نعمه تعالى أو باب ابتلاء كمرض أو فا قات فقد تكون سببا لمعرفة الله تعالى . ويكون التعرف به سبحانه بأن تعرف صفة من صفات الحق سبحانه كاللطف والقهر والرحمة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ” إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي الْمُؤْمِنَ فَلَمْ يَشْكُنِي إِلَى عُوَّادِهِ أَطْلَقْتُهُ مِنْ أُسَارِيَّ ، ثُمَّ أَبْدَلْتُهُ لَحْمًا خَيْرًا مِنْ لَحْمِهِ ، وَدَمًا خَيْرًا مِنْ دَمِهِ ، ثُمَّ يسْتَأْنَفُ الْعَمَلَ ” . قال أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي: لقد مرضت في سالف أيامي فقلّت أورادى وعباداتى بسبب المرض)، فلما شفاني الله مثلت في نفسي ما دبر الله تعالى من هذه العلة في مقدار هذه المدة (التي قلت فيها عبادته لمرضه)، ومثلت في نفسي عبادة الثقلين (أي عبادة الإنس والجن في مدة مرضه إذا كان معافىً). فقلت: لو خُيِّرْتُ بين هذه العلة (التي تسببت في قلة عبادته) وبين أن تكون لي عبادة الثقلين في مقدار مدتها (وهو بعافيته): إلى أين يميل اختياري؟… فصح عزمي، ودام يقيني، ووقفت على بصيرتي أن مختار الله تعالى أكثر شرفًا، وأنفع عاقبة، وأعظم شأنًا، وهي العلة التي دبَّرها الله لي، ولا شك في ذلك (انتبه جيدًا إلى سبب اختيار العلة هي المرض)، لأنها فعله سبحانه. وشتان بين فعله بك لتنجو به، وبين فعلك (أي عبادتك) لتنجو به. فلما رأيت ذلك دقَّ (أي صَغُر) في عيني عبادة الثقلين في مقدار تلك المدة في جنب ما آتاني الله. فصارت العلة عندي نعمة و صارت النعمة منه، وصارت المنة أملًا، وصار الأمل عطفًا. فقلت في نفسي: بهذا كانوا (أي الصحابة والصالحون) يستمرون في البلاء على طيب النفوس (أي من غير جذع أويأس).
